الشنقيطي

51

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ففي قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ توبيخ لمن مرّ بديارهم ، ولم يعتبر بما وقع لهم ، ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله ، وكقوله تعالى : * أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ محمد : 10 ] ، ثم هدّد الكفّار بمثل ذلك ، فقال : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) [ محمد : 10 ] . وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها ، أو ديارهم التي أهلكوا فيها : وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 83 ) [ هود : 83 ] ، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم ، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه ، وأمثال ذلك كثير في القرآن . وقال تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] فصرّح بأنّه يقص قصصهم في القرآن للعبرة ، وهو دليل واضح لما ذكرنا ، ولما ذكر اللّه تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام ، قال لنبيّنا صلى اللّه عليه وسلم : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، وأمره صلى اللّه عليه وسلم أمر لنا ، لأنه قدوتنا ، ولأن اللّه تعالى يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] الآية ، ويقول : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] الآية ، ويقول : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ الحشر : 7 ] الآية . ويقول : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] ، ومن طاعته اتّباعه فيما أمر به كلّه ، إلّا ما قام فيه دليل على الخصوص به صلى اللّه عليه وسلم ، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعا لنا ، إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور ، منهم مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد في أشهر الروايتين ، وخالف الإمام الشافعيّ رحمه اللّه في أصحّ الروايات عنه ، فقال : إنّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعا لنا إلا بنصّ من شرعنا على أنّه مشروع لنا ، وخالف أيضا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول صلى اللّه عليه وسلم يشمل حكمه الأمة ؛ واستدلّ للأول بقوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] وللثاني : بأنّ الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمّة وضعا ، فإدخالها فيها صرف للّفظ عن ظاهره ، فيحتاج إلى دليل منفصل ، وحمل الهدى في قوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، والدّين في قوله : * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ [ الشورى : 13 ] الآية على خصوص الأصول الّتي هي التّوحيد دون الفروع العمليّة ، لأنّه تعالى قال في العقائد : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) [ يوسف : 25 ] ، وقال : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] ، وقال : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) [ الزخرف : 45 ] . وقال في الفروع العملية : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول ، واختلافهم في الفروع ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا معشر الأنبياء إخوة لعلّات